تاريخ الموحدون الدروز
تفرعت الدرزية من
المذهب
الاسماعيلي كعقيدة فلسفية في عهد
الخلافة الفاطمية في
القرن العاشر. لم تهدف الدرزية إلى إيجاد مفهوم جديد للخطوط
العريضة للدين الاسلامي فحسب، بل
إلى تأسيس نواة دينية ذات شكل آخر عن التيار
الاسلامي العام وتأثرت بالقرآن
والسنة واعتمدت عليهما في اعتقاداتها. والاسم الحقيقي
للدروز هو "الموحدون" ولكن أتت
تسميتهم بالدروز نسبة إلى
نشتكين الدرزي الذي رفضه
الدروز فيما بعد لزندقته حسب
وصفهم. ويقطن الدروز الجبال كما
هو الحال في جبل الدروز في
سوريا
ولبنان وكذلك لعبوا
دورًا مهما في أحداث المنطقة ومنهم سلطان باشا الأطرش قائد
الثورة العربية الكبرى
في سوريا وقبل ذلك حاربوا الأتراك العثمانيين ولهم صولات
وجولات معهم وشاركوا في
الحرب الأهلية اللبنانية
بين الأعوام
1975
الى
1990 بوصفهم أحد أقوى
الميليشيات في الحرب اللبنانية بقيادة وليد
جنبلاط.
النشأة
الحاكم بأمر الله في القاهرة- مصر :
إحدى وعشرون سنة قبل ابتداء دعوة التوحيد، أي عام 996 م. (386
هـ) مات الخليفة الفاطمي الإمام العزيز بالله وتولى الخلافة
بعده ولي عهده، المنصور، وكان له من العمر حوالي إحدى عشر سنة.
أتخذ الخليفة الصغير لنفسه لقب “الحاكم بأمر الله”. كان الحاكم
بأمر الله قوي العزيمة حازماً، تسلم مقاليد الحكم بنفسه ومارس
السلطة بعدالة. وكان عطوفاً على الرعية،
قريبًامن الناس، يُشرف بنفسه على شؤون الحكم ويعمل على
تطهير الإدارة والقضاء من الرشوة والفساد، ومكافحة الاستغلال.
كان يستمع إلى شكاوى الناس ويقضي حاجاتهم بالعدل والمساواة.
وكان يطوف الأسواق ليلًا ونهارًا ليرى بنفسه المساوئ
الاجتماعية والأخلاقية ومدى الحاجة إلى الإصلاح، وعمل جهده
لإغاثة الناس في أوقات الشدة. اهتم الحاكم بالعلم وأهله، فكان
يدعو الفقهاء والأطباء وأهل الحساب والمنطق ويجالسهم ويستمع
إليهم. سنة 1009 م. (400 هـ) تخلى الحاكم عن كل ما يتعلق
بالملك من أبهة وفخامة ومظهر، وتخلى عن المظلة المطرزة بالذهب،
والمواكب الفخمة والمآدب الحافلة، والحلى
والمجوهرات والأحجار الكريمة. طرح كل ذلك جانباً، وارتدى
البسيط من الملبس، واقتصر في الطعام على ما يحتاج إليه الجسد،
وزهد في ملاذ الدنيا وركب الحمار بدل
الجياد في طوافه بين الناس. وأمر أن لا يُقبل أحد له
الأرض ولا يقبل يده عند السلام. حاول الحاكم التوفيق بين السنة
والشيعة لتوحيد المسلمين، وأنفق بسخاء على ترميم وتشييد
المساجد. وجدد جامع الأزهر المشهور، وهو أول جامع بني في
القاهرة. وسمح للذين اعتنقوا الإسلام جبرًا أو خوفًا من العقاب
أو لمكاسب دنيوية أن يعودوا إلى ديانتهم، وأعاد بناء الكنائس
والأديرة.
دور النذر
وأوّل عمل قام به كان بث الدُعاة
في الأقطار ليُبشروا بدورٍ جديد تُكشف فيه الحقيقة ويظهر
التوحيد. عين الحاكم بأمر الله النذير الأول سلامة بن عبد
الوهاب السامري رئيساً للدُعاة،
فقام هذا بتنظيم وتوزيع الدُعاة، وبقي على ذلك سبعة سنوات يهيئ
الناس إلى تقبل التوحيد ويُحضرهم إلى الدور المرتقب، ويُشير
إلى النذير الذي سيليه. ثم تسلم الدعوة بعده مُحمد بن وهب
القرشي الذي قاد الدعوة سبع سنين أخرى ومعه سلامة ودُعاته.
فتابع الإشارة إلى مسلك التوحيد وإلى النذير الذي سيليه. ثم
تسلم الدعوة بعده إسماعيل بن مُحمد التميمي ومعه النذيران
الأول والثاني ودُعاتهم، وبقي سبع سنين يهيئ الناس بالعقل
والعلم لاستقبال الدور الجديد.
الدعوة
مع غروب شمس يوم الخميس آخر يوم من سنة
407 هـ بدأت ليلة
الجمعة أول يوم من سنة
408 هـ (سنة
1017 م)، كُشف عن
مذهب التوحيد حين أعلن الحاكم بأمر الله الدور الجديد، وسلّم
قيادة الدعوة لصاحبها حمزة بن علي بن أحمد، وصدر سجل من الأمام
الحاكم يدعو الناس إلى كشف عقائدهم بلا خوف ولا تستر. فكانت
ثورة على التقاليد التي ليس لها معنى، والتكليف الذي ليس له
مضمون، ولأي مجاز من دون حقيقة. وأشار الحاكم إلى المؤمنين أن
ينفضوا عن أنفسهم غُبار الخوف والتستر لأنهم أحرار فيما
يفعلون، ولهم حرية التعبير والخيار في الاعتقاد.
حمزة بن علي :
في نفس العام الذي وجد فيه الحاكم بأمر الله، أي سنة 985 م.
(375 هجري)، ولد حمزة بن علي بن أحمد في مدينة
خراسان في
إيران. بدأ الإمام
الجديد بدعوة الناس إلى مسلك التوحيد الذي هو شريعة روحانية
ومن دون تكليف. وجمع حوله الدُعاة الثلاثة الرئيسيون الذين
تعاقبوا في نشر الدعوة قبل مجيئه، ومساعديهم، ورتبهم في
منازلهم وأرسلهم إلى مراكزهم لمتابعة نشر الدعوة. أفاض الدُعاة
علومهم الشريفة، ونشروا مجالس الحكمة، وبثوا دُعاتهم في أقطار
الأرض، وكانوا يأخذون العهد على كل من يدخل في دعوتهم. وكان
العهد بمثابة ميثاق يكتبه المستجيب على نفسه ويُوجبه على روحه.
وكان على المستجيب أن يكون صحيح العقل، بالغ سن الرشد، حُرًا
وخاليًا من الرق. وذلك لتثبيت التخيير والحرية عند الناس.
وأصبح هذا الميثاق حجةً على كل مُوحد.
المرتدون
وكان بعض من الذين وقّعوا الميثاق قد فعلوا ذلك لبلوغ مصالح
خاصة ومكاسب مادية. فهؤلاء المزيفون لم يُخلصوا للدعوة ولم
يقووا أمام التجربة ولم يثبتوا أمام المحن، فسرعان ما نكثوا
بالعهد وارتدوا عن دعوة التوحيد. أهم هؤلاء المرتدين كان
نشتكين الدرزي،الذي يؤكد
الدروز أنهم ورثوا اسمه عنوةً عن
إرادتهم. فلُقبوا بالدروز نسبةً
له بدل لقبهم الحقيقي وهو الموحدون.
نشتكين
الدرزي
في البداية أقر نشتكين الدرزي
بالدعوة وبإمامة حمزة بن علي، وكتب على نفسه الميثاق. ثم أخذ
يدعو الناس إلى التوحيد من دون معرفة ولا علم. فنجح في استقطاب
عدد كبير من الناس وكان ذلك في عدة وسائل ملتوية وأحيانًا
بالقوة. وعندما كثرة أتباعه تمادى في نشاطه ولقب نفسه “بسيف
الأيمان”. لم يرض الإمام حمزة بن علي على أفعال الدرزي، فحذره
قائلاً: “إنّ الإيمان ليس بحاجة إلى سيف يُعينه”. لكن الدرزي
رفض تحذير الإمام وأخذ يُعلي من شأنه فدعا نفسه “بسيد الهادين”
وذلك نكايةً بحمزة بن علي الذي كان قد لقبه الحاكم بأمر الله
“بهادي المستجيبين”. ازداد عدد أتباع الدرزي الذين استجابوا
طمعاً في مال أو جاه، وتمادوا في أعمالهم السيئة مما أثار غضب
الناس عليهم.
تعليق الدعوة
غضب الحاكم من الانحرافات والمُخالفات التي أثارت النزاعات
وسببت العداء وأمر حمزة بن علي بتعليق الدعوة سنة 1018 م (409
هـ). وفي آخر يوم من سنة 409 هجري (1018م.) زحف
الدرزي وأتباعه، على مسجد ريدان
قرب قصر الخليفة، مقر الإمام حمزة بن علي، ولم يكن مع حمزة بن
علي داخل المسجد سوى اثني عشر نفرًا، بينهم الدُعاة الثلاثة
الذين بشّروا بالتوحيد في دور النذارة
وهم؛ إسماعيل بن مُحمد التميمي، ومُحمد بن وهب القرشي وسلامه
بن عبد الوهاب السامرّيّ، وكان
معهم بهاء الدين عليّ بن أحمد الطائي الذي كان قد خدم الدُعاة
الثلاثة في دور النذارة، وأيوب بن
علي، ورفاعة بن عبد الوارث ومحسن بن علي.
موت الدرزي
لم يفلح المُهاجمون في اقتحام المسجد طيلة النهار. ولما ظهر
الحاكم بأمر الله على شرفة القصر المُطل على المسجد صُعق
المُحاصرون لهيبته وتفرقوا. وفي اليوم التالي، أول يوم من سنة
410 هجري (1018 م.) قتل الدرزي.
سارة
عندما نكث سُكين وكان داعياً لمذهب التوحيد في وادي
التيم وانحرف عن الدعوة، رأى بهاء
الدين أن يتدبر الأمر بالحسنى ويحاول قطع الطريق على هذا
الداعي المنحرف، فأرسل إليه سيدة تُدعى سارة، عُرفت
بالتقوة والعلم وقوة الحجة، على
رأس وفد من الدُعاة، وقد رضي هؤلاء الدُعاة أن تكون على رأسهم
امرأة.
سُكين
وكانت مهمة السيدة سارة محفوفة بالمخاطر، فقد سبقها الداعي
عمار فأوقع به جماعة سُكين
وقتلوه. استجاب البعض من جماعة سُكين إلى السيدة سارة وعادوا
إلى مسلك التوحيد، غير أن بعضهم الآخر نفر منها وأضمر لها
الشر، وأخذ يحاول الإيقاع بها.
ودام ذلك حتى قاد الأمير معضاد بن
يوسف، أمير من أمراء الغرب في
جبل لبنان، حملة
عسكرية وهاجم سُكين وأعوانه وهزمهم ولم ينج إلا القليل، وكان
سُكين قد هرب من المعركة ولكن في طريقه رأى امرأة تخبز على
التنور، أقترب منها وطلب أن تطعمه، فغافلته ودفعته إلى التنور
فمات حرقًا.
متابعة الدعوة
عادت الدعوة بعد مقتل الدرزي، سنة 410 هجري، ونُظمت من جديد
وعاد الدُعاة إلى سابق عهدهم يكتبون العهد، أي الميثاق، على
المستجيبين. وكانت تُرسل هذه العهود إلى الحد الثاني، إسماعيل
بن مُحمد التميمي الذي كان يقدمها إلى الحد الأول، الإمام
حمزة، فيفحصها ثُمّ يرسلها مع الحد الثالث، مُحمد بن وهب
القرشي ليرفعها إلى الحاكم بأمر الله فينظر فيها ويقرّها
ويعيدها إلى الإمام حمزة بن علي ليحفظها. بقيت الدعوة ناشطة
حوالي سنتين، وكان الحاكم بأمر الله الذي هو في نظر الموحدين،
غاية البصائر والطريق المؤدية إلى الحقيقة، يرعى الدعوة
ويحميها. وكان حمزة وأخوته ؛ إسماعيل بن مُحمد التميمي، مُحمد
بن وهب القرشي، سلامه بن عبد الوهاب
السامرّيّ، وبهاء الدين عليّ بن أحمد الطائي، وبقية
الدُعاة المنتشرين في مختلف الأقطار يبثون الدعوة ويجمعوا
العهود. أخذت هذه الثورة الروحية تفعل فعلها في قلوب
المستجيبين لدعوة التوحيد، فيجدون فيها أمنًا وأنسًا ونورًا
لأرواحهم وهديًا لتوجهاتهم ودعةi
وطمأنينةً.
غيبة الحاكم بأمر الله
في ليل 27 شوّال سنة 411 هـ (12/13
شباط سنة 1021 م.) غادر الحاكم بأمر الله قصره
قاصدًا وكعادته في كل ليلة جبل المقطم، ولكنه لم يعد. وباحتجاب
الحاكم علق الإمام حمزة الدعوة، وغاب هو وأخوته إسماعيل بن
مُحمد التميمي، ومُحمد بن وهب القرشي وسلامه بن عبد الوهاب
السامرّيّ بعد أن سلم أمور الدعوة
إلى بهاء الدين عليّ بن أحمد الطائي.
الظاهر
وباحتجاب الحاكم اعتلى عرش الخلافة الفاطمية الأمير علي الملقب
بالظاهر. حقد الخليفة الجديد، الظاهر، على حمزة وأتباعه لأنهم
لم يعترفوا له بالإمامة التي كان الحاكم بأمر الله قد قلّدها
لحمزة بن علي بعد أن أنتهي دور التأويل بقيام دعوة التوحيد.
زمن المحنة
أراد الظاهر الفتك بأولياء الحاكم الموحدين مع أنه كان قد تعهد
للحاكم بعدم التعرض للموحدين. ولكن لم يمض على احتجاب الحاكم
أربعون يومًا حتى أقام الظاهر على الموحدين محنة هدر فيها
دمائهم في أنحاء مملكته، من انطاكيا
شمالًا إلى الإسكندرية جنوبًا، مما جعل بهاء الدين يقوم بحجب
الدعوة أكثر أيام المحنة. أهم محنتان تعرض لهم الموحدون في هذه
الفترة هما؛ محنة حلب ومحنة إنطاكية، حيث قتل الألوف منهم بعد
العذاب والتنكيل. فكان رجال الظاهر يذبحون الموحدين ويرفعوا
رؤوسهم على الرماح، أو يحرقونهم في النار، أو يعملوا فيهم
السيف ويبقرون البطون ويقطعون القلوب والأكباد. وكانوا يصلبون
الرجال على الصلبان، ويسلبونهم أموالهم، ويسبون النساء
والأولاد ويذبحون الأطفال الرضّع في أحضان أُمهاتهم. دامت
المحنة سبعة سنوات قاسية كانت بمثابة امتحان للموحدين،
والديانة الحقة لا تصح إلا عند
الامتحان.
متابعة الدعوة
سنة
417 هـ (1026 م) شهر
بهاء الدين الدعوة من جديد. فبادر بهاء الدين بنشر الدعوة من
جديد، فنصب الدعاة ونص الرسائل وأخذ المواثيق على المستجيبين
ليوصلها إلى الإمام حمزة بن علي. فاستمرت ثورة مسلك التوحيد
على التكليف التقليدي. فالتوحيد هو في حقيقته حرية وقوة ومحبة.
وثورة التوحيد تسعى إلى تحقيق الإنسانية في الإنسان. إنها تحرر
الإنسان ولا تستعبده، وتوجههُ في اتجاه العلم والمعرفة. إن
الإنسان يتميز عن المخلوقات الأُخرى بالعقل الذي يمكنه من
تحقي&